السيد عباس علي الموسوي
38
شرح نهج البلاغة
سهل طري جمع من التربة الناعمة الصالحة للعطاء والمالحة التي لا ينبت فيها نبات ، لقد جمع سبحانه هذه العناصر ثم صب عليها الماء ومزجها مزجا جيدا كما يجب حتى اشتدت واستمسكت ولم تعد تتفتت . . وإنما خلقها من هذه العناصر ليكون فيه الاستعداد للخير والشر والحسن والقبح كما يقول بعض الشراح . . ( فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء وفصول أجمدها حتى استمسكت وأصلدها حتى صلصلت لوقت معدود وأمد معلوم ) جعل من تلك الطينة صورة آدم ومادته وهي مكونة من جوانب طولية وعرضية ومفاصل وأعضاء من يدين ورجلين ثم جعلها صلبة قوية حتى أصبحت كالفخار اليابس وبقيت هكذا مدة معدودة وزمنا محدودا وإلى هذا أشار الذكر الحكيم بقوله : « هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » . ( ثم نفخ فيها من روحه فمثّلت إنسانا ذا أذهان يجيلها وفكر يتصرف بها ) ثم إن هذه الصورة بعد أن اكتملت بهذا الشكل البديع أفاض اللّه عليها الحياة وإضافة روح آدم إليه تعالى تكرمة لآدم وتشريف وهي إضافة الملك ، وبهذه النفخة المباركة صارت إنسانا يحمل فكرا يحلل الأمور وعقلا يميز الضار من النافع والحسن من القبيح . ( وجوارح يختدمها وأدوات يقلّبها ) وتحركت جوارحه من يدين ولسان ورجلين يستعملها في خدمته ومن أجل منفعته كما إن هذه الأدوات التي هي الأعضاء يستعملها في قضاء حاجاته وحركة حياته . ( ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل والأذواق والمشام والألوان والأجناس ) بهذه النفخة أعطاه اللّه سر المعرفة وجعله من خلالها يطلع على الأمور ويميز بين الحق الذي يجب الإيمان به وأتباعه ومساندته والدفاع عنه وبين الباطل الذي يجب أن يكفر به ويحاربه ويحارب فاعله ، وخلق سبحانه له الأذواق التي يعرف بها مرّ الأشياء من حلوها وجيدها من فاسدها وكذلك جعل له المشام التي تنعش القلوب من التي تؤذيها كما جعله يعرف الألوان على اختلافها وما يميزها والأجناس على تعددها وتمايزها . . . ( معجونا بطينة الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة والأضداد المتعادية والأخلاط المتباينة من الحرّ والبرد والبلة والجمود ) ثم إنه عليه السلام يبيّن طبيعة هذا الإنسان وإنه مركب من أمور متعددة مختلفة ، جعله مركبا من شحم أبيض ولحم أحمر وشعر أسود وعظام قاسية ومواد رخوة كما جعله مركبا من أمور مؤتلفة متفقة ينسجم بعضها مع بعض وتلتقي في وحدة متكاملة كالأسنان والعظام والجلد واللحم ، وكما جعله مجمعا للأمور